أبي طالب المكي

119

علم القلوب

وقال أبو طالب المكي ، رضى اللّه عنه : قيل : إن اللّه ينظر إلى العرش عند كل سحر نظرة ، فيتسع عند ذلك مائة ألف ضعف على ما كان ، ويزداد بكل توسعة مائة ألف ضعف ، من المعرفة باللّه وتسبيحه : سبحانك أينما كنت وأين تكون ، وتسبيح الحملة : سبحان من لا يعلم ما هو إلا هو . وقال الشبلي : من لا يعرف ، فهو غرق في بحر الحسرة والمغابنة . وسئل مالك بن أنس عن قوله : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [ طه : 5 ] ، كيف استوى ؟ [ ف ] قال : الاستواء غير مجهول ، والكيف غير معقول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة ، ثم أمر بالسائل فأخرج من المجلس « 1 » . وفي الخبر أن أربعة من الملائكة اجتمعوا عند النبي ، عليه السلام ، فقال لأحدهم : « من أين جئت ؟ » ، فقال : من فوق سبع سماوات ، وتركت ربى هناك ، وقال الآخر : من تحت الثرى ، وتركت ربى هناك ، وقال الآخر : وأنا من الخافق الشرقي ، وتركت ربى هناك ، وقال آخر : وأنا من الخافق الغربى ، وتركت ربى هناك . ويقال : إن موسى بن عمران لما كلمه اللّه ليلة الشجرة ، دهش من سماع نداء الحق ، فقال : إلهي : أين أنت ؟ أقريب فأناجيك ؟ أم بعيدا فأناديك ؟ فقال اللّه لموسى : أنا من فوقك ، وأنا من تحتك ، وأنا عن يمينك ، وأنا عن يسارك ، وأنا أمامك ، وأنا وراءك ، وأنا معك ، أنا أقرب إليك من نفسك إلى لسانك ، ومن لسانك إلى حدقتك ، ومن حدقتك إلى سواد عينك ، ومن سواد عينك إلى ناظرك ، وأنا أقرب إليك منك إلى نفسك ، فادعني من أي وجه شئت ، فها أنا ناظر إليك « 2 » . وعن ابن عيينة في معنى قوله تعالى : أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [ الأعراف : 54 ] ، قال : الخلق ما دون العرش ، والأمر ما فوق ذلك

--> ( 1 ) هذا مذهب السلف فيما يمنع البحث فيه من مسائل العلم ، فلا يجوز عندهم البحث في الذات وما حولها من مباحث كالقضاء والقدر ، والصلاح والأصلح وأفعال العباد ، وغير ذلك ؛ لأن الصحابة ، رضى اللّه عنهم ، ماتوا وهم لا يعلمون عن ذلك شيئا ، من باب الجدل . ولا يظن أحد أن ذلك حجر على العقول ، وإعاقة لنهضتها ؛ لأن موضوع الذات وما حولها لا يهم هؤلاء الناقدين ، ولا يتقدم بحياتهم المادية ، ولا يكشف اختراع جديد ، وإذا قصد بإباحة هذه الأبحاث مجرد الرياضة العقلية ، فهناك مجالات أكثر رياضة للعقل من هذه البحوث . ( 2 ) لا يبعد أن يكون هذا ما أوحى إلى موسى حقيقة ، مما تناقله الرواة ، فهو تصوير للعقيدة السليمة من كل جهاتها .